يناقش الدكتور كامران بيجانيجي في بداية هذا المقال التحول المتسارع الذي يطرأ على أسواق الطاقة العالمية، حيث لم تعد السيطرة على آبار النفط وخطوط الأنابيب وحدها مصدر النفوذ، بل بدأت البيانات والذكاء الاصطناعي والخوارزميات تفرض نفسها كأدوات جديدة لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية.
وتوضح ميدل إيست مونيتور أن المنافسة العالمية على الطاقة لم تعد تقتصر على حقول النفط في الخليج أو خطوط الغاز في شرق المتوسط، بل امتدت إلى مراكز البيانات وأنظمة التحليل الذكية والبنى الرقمية القادرة على قراءة المتغيرات الاقتصادية والسياسية في وقت قياسي.
انتقال القوة من النفط إلى البيانات
اعتمدت الدول لعقود طويلة على احتياطيات النفط والقدرة الإنتاجية والممرات البحرية باعتبارها مصادر رئيسية للقوة والنفوذ. لكن المشهد العالمي بدأ يتغير تدريجيًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل قطاع الطاقة.
تعتمد شركات الطاقة الكبرى والبنوك الاستثمارية والصناديق السيادية والحكومات اليوم على أنظمة تحليل متقدمة تستطيع تقييم المخاطر الجيوسياسية والتنبؤ بأسعار النفط وإدارة سلاسل الإمداد بصورة أكثر دقة.
وتملك الأنظمة الذكية قدرة هائلة على معالجة ملايين المتغيرات في وقت واحد، بدءًا من صور الأقمار الصناعية الخاصة بناقلات النفط والمخزونات الاستراتيجية، وصولًا إلى الأحوال الجوية والتوترات العسكرية والهجمات الإلكترونية وأسعار الفائدة وحتى اتجاهات الرأي العام على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تتجه القوة بصورة متزايدة نحو الجهات التي تستطيع تحليل البيانات بسرعة أكبر وبدقة أعلى، لأن امتلاك المعلومات وتحليلها بات عنصرًا حاسمًا في توجيه الأسواق العالمية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل دبلوماسية الطاقة
أعاد هذا التحول صياغة مفهوم دبلوماسية الطاقة التقليدية. ففي الماضي اعتمدت الدول والشركات على المفاوضات السياسية وتحالفات الطاقة والاتفاقيات الدولية للتأثير في الأسواق.
أما اليوم، فأصبحت الأنظمة الذكية تشارك بصورة متزايدة في صناعة القرار الاقتصادي والاستراتيجي. وتستخدم مؤسسات مالية وشركات متعددة الجنسيات نماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوقع الأزمات الأمنية والسياسية قبل ظهورها رسميًا، ما يمنحها أفضلية في تحديد مواقعها داخل الأسواق.
ويثير هذا الواقع سؤالًا جوهريًا حول مستقبل السلطة داخل قطاع الطاقة: هل ستظل الدول المنتجة للنفط صاحبة اليد العليا أم ستنتقل القوة تدريجيًا إلى شركات التكنولوجيا وأصحاب البنية التحتية الرقمية؟
وتبدو دول الخليج أكثر وعيًا بهذه التحولات، إذ توسع السعودية والإمارات وقطر استثماراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والمدن الذكية والبنية التحتية للبيانات. ولا تقتصر هذه الخطوات على تنويع مصادر الدخل، بل تعكس رؤية استراتيجية للحفاظ على المكانة السياسية في النظام العالمي المقبل.
صراع القوى الكبرى والنظام الطاقي الجديد
دخلت المنافسة بين القوى الدولية الكبرى مرحلة مختلفة مع توسع الاعتماد على التكنولوجيا. تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها عبر التفوق التكنولوجي والسيطرة على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، بينما تعمل الصين على تعزيز حضورها من خلال مشروعات البنية الرقمية واستثمارات الطاقة المتجددة والشراكات التقنية في الشرق الأوسط.
ويحمل هذا التحول مخاطر جديدة أيضًا، لأن تصاعد نفوذ الأنظمة الخوارزمية يثير تساؤلات مرتبطة بالشفافية والمساءلة. وإذا امتلكت أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة على التأثير في الأسواق وليس فقط التنبؤ بها، فقد تنتقل أجزاء واسعة من السلطة الاقتصادية العالمية من المؤسسات السياسية التقليدية إلى هياكل تكنولوجية خاصة.
ويرجح المقال أن يشهد القرن الحادي والعشرون منافسة مختلفة عن صراعات القرن الماضي؛ فبدل الصراع على آبار النفط وحدها، قد يدور السباق حول البيانات وأنظمة التنبؤ والقدرات الحسابية الذكية، ليصبح السؤال الأهم ليس من يمتلك أكبر احتياطي نفطي، بل من يستطيع قراءة مستقبل أسواق الطاقة بصورة أسرع وأكثر دقة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260521-the-geopolitics-of-energy-algorithms-who-will-control-oil-markets-in-the-age-of-artificial-intelligence/

